أبي بكر الكاشاني
393
بدائع الصنائع
في الأرض أشجار وان لم يكن فيها شجر فالوصية بالغلة وصية بالدراهم والدنانير وذلك هي الأجرة فان قيل إذا لم يكن في الأرض شجر فينبغي ان يزرعها فيستوفى في زرعها فالجواب انه لو زرع لحصل له ملك الخارج ببذره والموصى به غلة أرضه لا غلة بذره ولو أوصى لرجل بغلة أرضه ولآخر برقبتها وهي تخرج من الثلث فباعها صاحب الرقبة وسلم صاحب الغلة المبيع جاز وبطلت وصية صاحب الغلة ولا حق له في الثمن أما جواز الوصية بالغلة فلما ذكرنا فيما تقدم وأما جواز بيع الرقبة من صاحبها إذا سلم صاحب الغلة المبيع فلان ملك الرقبة لصاحب الرقبة وانه يقتضى النفاذ الا ان حق صاحب الغلة متعلق به فإذا أجاز فقد رضى بابطال حقه فزال المانع فنفذ وبطلت وصية صاحب الغلة لأنه إنما أوصى له بالغلة في ملك الموصى له بالرقبة وقد زال ملكه عن الرقبة ولا حق له في الثمن لان الثمن بدل الرقبة ولا ملك له في الرقبة ولو أوصى له بغلة بستانه فأغل البستان سنتين قبل موت الموصى ثم مات الموصى لم يكن للموصى له من تلك الغلة شئ إنما له الغلة التي فيه يوم يموت لما ذكرنا ان الوصية ايجاب الملك عند الموت فتكون له الثمرة التي فيه يوم الموت وما يحدث بعد الموت لا ما كان قبل الموت فان اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته جاز الشراء وبطلت الوصية لأنه ملك العين بالشراء فاستغنى بملكها عن الوصية كمن استعار شيئا ثم اشتراه انه تبطل الإعارة وكمن تزوج أمة انسان ثم اشتراها يبطل النكاح لما قلنا كذا هذا وكذلك لو أعطوه شيئا على أن يبرأ من الغلة وكذلك سكنى الدار وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شئ جاز وتبطل الوصية لان له حقا وقد أسقط حقه بعوض فجاز كالخلع والطلاق على مال والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) الوصية بأمر متعلق بالمال فالوصية بالعتق والوصية بالاعتاق والوصية بالانفاق والوصية بالقرب من الفرائض والواجبات والنوافل ( أما ) الوصية بالعتق فحكمها ثبوت العتق بعد موت الموصى بلا فصل كما إذا قال وهو مريض أو صحيح أنت حر بعد موتى أو قال دبرتك أو أنت مدبرا وان مت من مرضى هذا أو في سفري هذا فأنت حر فمات من مرضه ذلك أو سفره ذلك يعتق من غير الحاجة إلى اعتاق أحد لان معنى ذلك أنت حر بعد موتى أو بعد موتى من هذا المرض أو في هذا السفر ويعتبر في ذلك كله الثلث فإن كان العبد يخرج كله من ثلث ماله يعتق كله وان لم يخرج كله يعتق منه بقدر ما يخرج من الثلث وان لم يكن له مال سواه يعتق ثلثه ويسعى في الثلثين للورثة لان هذا كله وصية فلا تنفذ فيما زاد على الثلث الا بإجازة الورثة على ما بينا فيما تقدم ( وأما ) الوصية بالاعتاق فحكمها وجوب الاعتاق بعد موت الموصى ولا يعتق من غير اعتاق من الوارث أو الوصي أو القاضي والأصل فيه ان كل عتق تأخر عن موت الموصى ولو بساعة لا يثبت ولا يعتق من غير اعتاق كما إذا قال هو حر بعد موتى بساعة أو بأقل أو بأكثر لان غرض الموصى هو عتق العبد بعد الموت والعتق لابد له من الاعتاق ولا يمكن جعل الموصى معتقا بعد الموت فكان أمرا بالاعتاق دلالة فيعتق الوارث أو الوصي أو القاضي ( وأما ) الوصية باعتاق نسمة وهي ان يوصى بان يشترى رقبة فتعتق عنه والنسمة اسم لرقبة تشترى للعتق فحكمها حكم وجوب الشراء والاعتاق يعتبر من الثلث ولو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم فلم يبلغ ثلث ماله مائة درهم لم يعتق عنه عند أبي حنيفة وعندهما يعتق عنه بالثلث ولو أوصى بان يحج بمائة وثلث ماله لا يبلغ مائة فإنه يحج عنه من حيث يبلغ بالاجماع ( وجه ) قولهما ان تنفيذ الوصية واجب ما أمكن والتقدير بالمائة لا يقتضى التنفيذ لأنه لا يحتمل انه إنما قدر ظنا منه ان ثلث ماله يبلغ ذلك أو رجاء إجازة الورثة فإذا لم يبلغ ذلك أو لم تجز الورثة يجب تنفيذها فيما دون ذلك كما في الوصية بالحج ولأبي حنيفة رضي الله عنه انه أوصى بعتق عبد يشترى بمائة درهم فلو نفذنا الوصية في عبد يشترى بخمسين كان ذلك تنفيذ الوصية لغير من أوصى له وهذا لان الوصية للعبد في الحقيقة فهو الموصى له وقد جعل الوصية بعبد موصوف بأنه يشترى بمائة والمشترى بدون المائة غير المشترى بمائة فلا يمكن تنفيذ الوصية له بخلاف الوصية بالحج فإنها وصية بالوصول إلى البيت وانه يحصل بالحج عنه من حيث يبلغ الثلث وعلى هذا إذا أوصى أن يعتق عنه نسمة بجميع ماله فلم تجز ذلك الورثة لم يشتر به شئ والوصية باطلة في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يشترى بالثلث وهذا بناء على المسألة الأولى وقد ذكرنا وجه القولين والله الموفق ( وأما ) الوصية بالانفاق على فلان وأوصى بالقرب فحكمها وجوب فعل ما دخل تحت الوصية لأنه هكذا أوصى ويعتبر